في
الجمعة 24 ذو القعدة 1435 / 19 سبتمبر 2014

جديد الأخبار


المقالات
الانشطة الطلابية
نشأة النثر الفني في العصر الجاهلي

نشأة النثر الفني في العصر الجاهلي
06-09-1433 01:47 PM

الآراء حول نشأة النثر الفني في العصر الجاهلي:
يؤکد الدکتور زکي مبارك أنه قد کان للعرب في الجاهلية نثر فني له خصائصه وقيمته الأدبية، وأن الجاهليين لابد وأن يکونوا قد بلغوا في ذلك المضمار شأوا بعيدا لايقل عما وصل إليه الفرس واليونان في ذلك الوقت، بل أنهم في إنتاجهم الأدبي في النثر لم يکونوا متأثرين تأثراً کبيرا بدولة أخری مجاورة أو غير مجاورة، وإنما کانت لهم في کثير من الأحيان أصالتهم وذاتيتهم واستقلالهم الأدبي الذي تقتضيه بيئتهم المستقلة، وحياتهم التي کانت أقرب إلی الانعزال. وإذا کانت الظروف المختلفة لم تساعد علی بقاء هذا التراث من النثر الجاهلي، فليس معنی ذلك أن نهدره ونحکم بعدم وجوده، وإنما يجب أن نلتمسه في مصادر أخری. ونحن إن فعلنا هذا فسوف نجد بين أيدينا حجة لاتنکر، ودليلا لا يجحد علی أن ثمة نثرا جاهليا، ألا وهو القرآن الکريم. فإذا کنا نؤمن بأن هذا القرآن قد نزل لهداية هؤلاء الجاهليين، وإرشادهم، وتنظيم حياتهم في نواحيها المختلفة من دينية، وأخلاقية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، وأنه کان يخاطبهم وهم بطبيعة الحال لايخاطبون إلا بأسلوب الذي يفهمونه ويتذوقونه، وأنه کان يتحداهم في محاکاته، والإتيان بسورة من مثله ولا يسوغ في العقل أن يکون هذا التحدي إلا لقوم قد بلغوا درجة ما من بلاغة القول، وفصاحة اللسان تجعلهم أهلا لهذا التحدي حتی يصدق معناه، إذا کان هذا کله، وأن القرآن الکريم قد نزل بلغة العرب وعلی لسان واحد منهم ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ تأکد لنا أن العرب الجاهليين قد عرفوا النثر الفني، وأن القرآن يمکن أن يعطينا صورة ـ ولو تقريبية ـ عن شکل هذا النثر، ومنهجه، وحالته التي کان عليها. [3] وکذلك يعتقد الدکتور محمد عبدالمنعم خفاجي بوجود النثر الفني في الجاهلية. [4]ويری الدکتور طه حسين بأن النشر الفني بمعنی أنه تعبير جميل رصين محکم يستدعي الرؤية والتفکير والإعداد، لايتصور أن يکون موجودا في العصر الجاهلي؛ إذ أن هذا اللون من النثر إنما يلائم نوعا من الحياة لم يکن قد تهيأ للعرب إذ ذاك. فهذه الحياة الأولية الفطرية السهلة التي کان يحياها العرب قبل الإسلام لم تکن تسمح بقيام هذا اللون من الکتابة الفنية التي تستدعي بطبيعتها الرؤية، والتفکير، ووجود جماعة إنسانية منظمة تسودها أوضاع سياسية واجتماعية معقدة. وهذا النثر المنسوب إلی الجاهليين ليس إلا شيئا منحولا مدسوسا عليهم. حيث إنه علی هذا النحو الذي روي به لايکاد يمثل الحياة الجاهلية تمثيلا کاملا. فهذه الخطب، والوصايا، والسجع، والکلام الذي ينسب لقس بن ساعدة، وأکثم بن صيفي، وغيرهما يکفي أن ننظر إليه نظرة واحدة لنرده بأجمعه إلی العصور الإسلامية التي انتحلت فيها کل هذه الأشياء؛ لنفس الأسباب التي انتحل الشعر من أجلها وأضيف إلی الجاهليين. [5] ويتحدث شوقي ضيف عن نشأة النثر الفني في الأدب العربي بقوله «نحن لانغلو هذا الغلو الذي جعل بعض المعاصرين يذهب إلی أن العرب عرفوا الکتابة الفنية أو النثر الفني منذ العصر الجاهلي، فما تحت أيدينا من وثائق ونصوص حسية لا يؤيد ذلك إلا إذا اعتمدنا علی الفرض والظن، والحق أن ما تحت أيدينا من النصوص الوثيقة يجعلنا نقف في مرحلة وسطی بين الرأيين، فلا نتأخر بنشأة الکتابة الفنية عند العرب إلی العصر الجاهلي، بل نضعها في مکانها الصحيح الذي تؤيده المستندات والوثائق، وهو العصر الإسلامي». [6]



النثر في العصر الإسلامي:
النثر الفني في عهد النبوة، لم يکد يختلف اختلافا جوهريا عن النثر الجاهلي. «دخل النثر العربي في طور جديد بظهور الإسلام، بعد أن تعرضت الحياة الأدبية لانقلاب شامل وتطور بعيد المدی. ولم يکن ثمة بد من أن يتأثر الأدب بالحياة الجديدة وأن يکون صدی لأحداثها واتجاهاتها. وکانت مظاهر التطور في النثر أوضح منها في الشعر، لأن الشعر فن تقليدي يترسم فيه الشاعر خطا سابقيه، ويلتزم أصولا محددة، ولذلك يکون أبطأ من النثر استجابة لدواعي التطور». [7] أما أغراض النثر ومعانيه، فإنها بلا شك قد تغيرت تغيرا محسوسا بظهور الإسلام، و «تلوّن النثر في هذا العهد بجميع ألوان الحياة الجديدة فکان خطابة، وکتابة، ورسائل وعهودا، وقصصا، ومناظرات، وتوقيعات، وکان علي کل حال أدبا مطبوعا. وامتاز النثر في هذا العهد بالإيجاز علی سنة الطبيعة العربية الأصيلة». [8]
النثر في العصر الأموي:
کانت الکتابة ضرورة إدارية ملحة لا غنی عنها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، في المکاتبات والدواوين المختلفة. کما کانت ضرورة اجتماعية لا غنی عنها في المعاملات. وکانت کذلك ضرورة علمية لا غنی عنها في الحرکة العلمية التي ازدهرت في العصر الأموي وتعاظمت في أواخره. ونتيجة لذلك کله توسع انتشار الخط واستعمال الکتابة، إبان ذلك العصر، توسعا عظيما، نظراً لإقبال الناس علی طلبه. يقول الدکتور شوقي ضيف: «أن الکتابة نمت في العصر الأموي نموا واسعا، فقد عرف العرب فکرة الکتاب وأنه صحف يجمع بعضها إلی بعض في موضوع من الموضوعات، وقد ألفوا فعلا کتبا کثيرة». [9] وقد کانت لمن يعرف الکتابة مکانة رفيعة عند الناس، إذ کانوا يعرفون له قدرة، وکان سعيد بن العاص يردد دائماً قوله: «من لم يکتب فيمينه يسری». [10]
لعل من أهم الأسباب التي هيأت لرقي الکتابة الفنية في هذا العصر تعريب الدواوين في البلاد المختلفة. [11]، وتعقد الحياة السياسية، وکثرة الأحزاب والمذاهب. [12]
«وقد تجلت بواکير الکتابة في أواخر العصر الأموي بفضل موهبة عبدالحميد بن يحيی الکاتب». [13] ولقد أجمع النقاد والمؤرخون في القديم والحديث علی أن عبدالحميد إمام طور جديد في الکتابة العربية، وأنه هو الذي وضع الأساس لهذا المنهج الکتابي الذي اقتفاه الکتاب من بعده، وهو «أبلغ کتاب الدواوين في العصر الأموي وأشهرهم، وقد ضربت ببلاغته الأمثال». [14]، و«کان عبدالحميد أول من فتق أکمام البلاغة وسهل طرقها وفك رقاب الشعر». [15] وقال ابن النديم: «عنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل». [16] إذن لقد تواترت آراء المؤرخين والأدباء منذ القرن الثالث الهجري علی أن الرجل ذو مکانة ملحوظة في تاريخ النثر العربي، وأنه ذو أثر عميق في تطور الکتابة الفنية، وأنه قد سن طريقة جديدة سار علی نهجها من جاء بعده من الکتاب.

النثر في العصر العباسي:
زخر العصر العباسي بالأحداث التاريخية، والتقلبات السياسية، کما زخر بالتطورات الاجتماعية التي نقلت العرب من حال إلی حال، وقد کان لکل هذا، فضلا عن نضج العقول بالثقافة، أثر واضح في تطوير الأدب بعامة، والکتابة بصفة خاصة. لقد تقدمت الکتابة الفنية في هذا العصر تقدما محسوسا؛ وسارت شوطا بعيدا في سبيل القوة والعمق والاتساع.
و«أصبح النثر العربي في العصر العباسي متعدد الفروع، فهناك النثر العلمي والنثر الفلسفي والنثر التاريخي، والنثر الأدبي الخالص، وکان في بعض صوره امتدادا للقديم؛ وکان في بعضها الآخر مبتکرا لا عهد للعرب به». [17] وکان تشجيع الخلفاء والوزراء والرؤساء للأدب وللکتاب باعثا علی النهوض بالکتابة، داعيا إلی ارتفاع شأنها، وسمو منزلتها، ثم کان التنافس القوي بين الأدباء وتسابقهم إلی خدمة الخلفاء والرؤساء حافزا علی تجويدها والتأنق في أساليبها. [18] «إن الکتابة کانت جواز عبور إلی الوزارة وبعض الوظائف المرموقة في مرافق الدولة لذلك کان علی الراغبين في الوصول إلی هذه المناصب العليا إتقان صناعة الکتابة حتی يحققوا أهدافهم التي کانوا يطمحون إليها». [19]
والأغراض التی عبر عنها النثر الفني في هذا العصر قد اختلفت و«بعد أن کان النثر الأموي خطابته وکتابته منصرفا بوجه عام إلی أغراض سياسية وحزبية، ولم يتجه إلی الأغراض الأخری إلا في صورة ضئيلة، فانه في العصر العباسي قد اتجه إلی کثير من الأغراض والموضوعات الشخصية والاجتماعية والانسانية؛ کالمدح والهجاء والرثاء والاعتذار والتهنئة والتعزية والاستعطاف، والوصف والنسيب والفکاهة والنصح». [20] ونستطيع القول بأن النثر خطا خطوة واسعة؛ فهو لم يتطور من حيث موضوعاته وأغراضه فقط؛ بل إن معانيه قد اتسعت وأفکاره قد عمقت، وأخيلته قد شحذت؛ لأن مشاهد الحياة ومقوماتها العامة قد تغيرت.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 782


خدمات المحتوى


فهده مشاي دخيل الله العنزي
تقييم
10.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.