في
السبت 28 صفر 1436 / 20 ديسمبر 2014

جديد الأخبار


المقالات
واجبات الفصل الدراسي الأول 1434
الاتجاه الواقعي بالنثر العربي الحديث

الاتجاه الواقعي بالنثر العربي الحديث
01-26-1434 01:30 PM

**الاتجاه إلى الواقعية في الأدب العربي الحديث:

الواقعية لم نعرفها في أدبنا العربي إلا بعد أن استقرت أصولها في العالم بفضــل ( ادجرآلان بو ، وتشيكوف ، وموباسان ) بعد أن أصبح وجودها شرعياً عقب رحلة طويلة من قصص الرعاة والشطار ، وحكايات الحب الشعبية .

ومن الأمور البديهية أن الواقعية لم تظهر فجأة أو بين عشية وضحاها،وإنما كانت لها جذورها الضاربة في التاريخ ، وأنها لم تفرض جبراً على الكتاب والنقاد فبذورها عندما وجدت التربة الخصبة والمناخ المناسب لها نمت وترعرعت ، وظلت سنوات وسنوات تقاوم المثالية حتى امتدت ظلالها الوارفة وسيطرت على الحياة الأدبية . فهي باختصار كانت ضرورة عصر،ووليدة ظروف خاصة لولاها ما وجدت،ومن الأمور البديهيةـ أيضاً وجود صلة وثيقة بين الواقعية والفلسفة والنظريات الفكرية والاختراعات الحديثة.



فقد " ارتبط النقد بالفلسفة منذ أقدم العصور اليونانية ، وازداد هذا الارتباط قوة في العصور الحديثة لدرجة أن علماً من علوم الفلسفة ، وهو علم الجمال ، أصبح مرتبطاً بالنقد أشد الارتباط .... وبتقدم تلك العلوم الإنسانية وعلم الفلسفة على وجه الخصوص تقدم النقد الأدبي " (1) وبسبب هذه الصلة الوثيقة بين الفلسفة ــ خاصة الواقعية ــ والأدب والنقد ، ظهر مصطلح الواقعية في أوربا تعبيراً عن اتجاه سيطر على الكتاب ، وفرضته روح العصر الذي اتسم بالعلمية والموضوعية ، وطغى على بقية المذاهب الأدبية لأخرى من تحت عباءة الفلسفة ، مستمداً روحه منها .



وعلى ذلك فإن الباحث في الواقعية كاتجاه أدبي ومصطلح نقدي ساد أوربا في القرن التاسع عشر، وانتقل إلينا مع مطلع القرن العشرين ، لا يمكنه إغفال الفلسفة ، وخاصة الفلسفة الواقعية التي وضع ( أرسطو) لبناتها الأولى بنظريته في المحاكاة التي عارض بها نظريات أستاذه ( أفلاطون)، الذي تمثلت حقائق الوجود عنده في المثل ، وهى الصور الخالصة لكل أنواع الوجود ، فما نراه في العالم المحيط بنا من ماديات ما هو إلا انعكاس لهذه المثل،غير الموجودة في عالمنا،وهذه الماديات المنعكسة ما هي إلا ظلال للمثل،ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تبلغ كمال المثل ؛ لأن حواسنا يصعب عليها إدراكها .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1ـ النقد الأدبي الحديث : ص 32

بهذا الفكر الأفلاطوني ، والنظرة المتعالية على الواقع ظهرت المثالية التي رأت "كل ما في الواقع ناقص فج والفن الذي يحاكى الواقع فن ناقص "(1) . لكن ( أرسطو ) الأكثر واقعية عارض نظرية أستاذه ( أفلاطون ) ، ورأى المثل حقائق يستخلصها الإنسان من الأشياء المحسوسة ذاتها ، وأنها ليست مستقلة عن الأشياء بل هي المنطلق " ولم يعمم نظرية المحاكاة على كل الموجودات ــ كما فعل أفلاطون ــ وإنما حصرها في الفنون سواء كانت فنوناً جميلة كالموسيقى والرسم والشعر ، أم فنوناً عملية نفعية كفن البناء والنجارة مثلا "(2) .


"وكانت هذه النظرة الفلسفية عند( أرسطو ) هي محور الفلسفة التي سادت أوربا بعد ذلك، بفضل تكاتف جهود الفلاسفة ، وبفضل عوامل كثيرة فرضتها روح العصر فقد كان المنهج العلمي قد بدأ يغزو الفكر الأوربي حين ذاك ، فلا غرو أن يتشبع الفلاسفة بروح العلماء في التفكير،وأن ينتهجوا منهج العلماء.وليس أدل على ذلك من أن الفيلسوف لم يعد يحاول الانفراد بنظرية فلسفية ، بل لم يعد الواحد منهم يطمع في أن تخرج من رأسه الحكمة كلها كاملة كما خرجت منيرفا من رأس زيوس في أساطير اليونان "(3)


ولما كان العصر مهيئاً لتقبل الواقعية دعا ( فرنسيس بيكون ) 1561 ــ 1626 ) ، إلى منهج جديد في التفكير أساسه الملاحظة والتجربة ، رافضاً الفلسفة التقليدية التي عرقلت حركة العقل بعد أن أصبحت " كرجل ميت يقدس ويعبد " (4) .وبعد ( بيكون )بنصف قرن تقريباً أصبحت الملاحظة والتجربــة تحتل مكانة هامة في التفكير الإنسانى على يد ( سبيتوزا ودىلامترى ) ، وفى القرن الثامن عشر والتاسع عشر اتجه بعض الفلاسفة بفلسفتهم إلى المجتمع مباشرة ؛ لتقويمه من أجل رفاهية الفرد .

وعرفت الفلسفة الاشتـراكية ، والمادية ، والوجودية وترددت أسماء ( سان سيمون ) ،(وكارل ماركس) ، ( وأوجست كونت) ،( وكير كيجارد) ،( وجان بول سارتر ) ، فساهموا مع (أرسطو) في إنزال الفلسفة من عليائها إلى الأرض ، فأصبحت أشد صلة بالواقع والإنسان . ونادت بلون واحد من الأدب والفن والفكر ، هو الأدب والفن والفكر البروليتارى ، أي أدب وفن وفكر الطبقة العاملة التي تستطيع بقوتها الروحية السيطرة على هذا العالم .


وإذا كانت الفلسفة مقسمة إلى قسمين ــ بينهما شيء من التشابه ــ فإن هذا التقسيم لا يمكن تطبيقه على الأدب ، وتقسيمه إلى واقعي ومثالي ؛ لأن الأدب في جميع مذاهبه الكلاسيكية ، والرومانتيكية ،

ــــــــــــــ

1ــ الشوباشى : الأدب ومذاهبه ص 18

2ــ النقد الأدبي الحديث ص 50

3ــ د. زكى نجيب محمود : حياة الفكر الجديد ، مكتبه الانجلو ، (د.ت) ص 74

4ــ د. محمد عبد الله الشرقاوي : مدخل نقدي لدراسة الفلسفة ، مكتبة الشباب ، ص 143 ، 144



والواقعية ، والوجودية ليس ميدانه التجريد " ويمكنا القول بأنه لا مثالية في الأدب والفن ، ولنا أن نقول أيضاً: إن الأدب والفن في جميع مذاهبه مثالي ، إن فهمنا أن المثالية لا تقف عند حدود الواقع ، بل تتجاوزه دائماً " (1) .

وقد حاول موباسان نفسه الجمع بين الاتجاهات الثلاثة الرومانسية والواقعية والطبيعية فى قصته vne vie "كما عرضت من قبل *


وفى أدبنا العربي الحديث وجدت محاولة المزج هذه " فزينب للدكتور محمد حسين هيكل تعتبر نموذجاً لتعدد المؤثرات المذهبية فى الجيل الأدبي الواحد ، بل أكثر من هذا في إنتاج أدبي واحد فمحورها كلاسيكى يدور حول الصراع بين العاطفة والواجب ، ورؤية الكاتب فيها رومانتيكية ، أما المجال فواقعي صرف "(2) .

******

وقد لعبت النظريات الفكرية والاختراعات الحديثة دوراً بارزاً في تحويل مجرى الفكر الإنسانى إلى مصبات جديدة ارتبطت بحياة الإنسان في الأغلب الأعم فنظريات ( كوبر نيقوس ) copernicus، وكبلر Keplar ، (جاليلو ) Galileo ومخترعات (داجير ) Dagir ، و(جرهام بل ) G.bell و(أديسون ) Adisoun ، ونظرية (دارون) Darwen كانت السبب في " فتح الطريق لدراسة الطبيعة في أبعادها الخاصة واكتشاف قوانينها الحقيقية مما ساعد على تفجير الروح الواقعية في الفن منذ ذلك الوقت ، وجعله يسير منذ ذلك الوقت موازياً جنباً إلى جنب مع هذه الاكتشافات العلمية الهائلة "(3) .


وفى مصر ساهمت الحركة الفكرية التي اجتاحت الحياة الثقافية مع بدايات هذا القرن وأواخر القرن الماضي في تغيير مستويات تفكير العقلية المصرية . فبعد أن كانت الأساطير والخرافات مادتها المفضلة لسنوات طويلة في عصور الظلام ــ التي لعبت فيها الدولة العثمانية دوراً بارزاً من منظور سياسي بحت ، بعيد جد البعد عن روح الإسلام السمحة ــ بعد أن كانت كذلك ، ظهرت بواكير النور بثورة فكرية عارمة قادها ( رفاعة الطهطاوي ) ، بترجمته " حياة منتسكيو ، وقوانين نابليون ، " وتأليفه كتابه " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " الذي نقل فيه صورة شاملة عن المجتمع الفرنسي وفرنسا للقارىء المصري ، وبتأسيسه مدرسة " الألسن " ، التي بدا فيها ثائراً على استحياء من التخلف الشرقي . لكن تجديده كان في كثير من الأحيان يقابله تخلف من حكام عصره ، فأغلق ( عباس الأول) مدرسة " الألسن " التي كانت منارة يهتدي بها المصريون لكل جديد في العالم ، وعندما حاول ( رفاعة) مرة ثانية استئناف رسالته التجديدية في المدرسة الحربية بإدخال الكثير من


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ النقد الأدبي الحديث : ص 291

2ــ فصول : م4 ،ع 3 ، 1984 ص 84 ، دراسة للدكتور فتوح أحمد

3ــ سدنى فنكلشتين : الواقعية في الفن ، ت مجاهد عبد المنعم ، الهيئة العامة للتأليف والنشر ، 1971 ، ص 96



العلوم المدنية فيها ؛ ليعوض بها مدرسة الألسن التي طالما حلم بها ، ألغاها ( سعيد باشا ) ليتجمد نشاط ( رفاعة) وسار على نفس نهجه تلميذه ( على مبارك) ، الذي استغل محاولات (إسماعيل) للظهور بالمظهـر الأوربي أمام الأوربييـن ، وفتـح المدارس التي أغلقت في عهـد ( عباس وسعيد) ، ووجه محاولات (إسماعيل ) الإصلاحية لخدمة الشعب في ميـدان التعليم ، فحين رأى اتساع الهوة بين الثقافة الحديثة القادمة من أوربا ، والثقافة القديمة المتمثلة في التعليم الأزهري ، وأن الأزهر بصورته التي كان عليها في ذلك الوقت لم يعد صالحاً لإمداد التعليم الحديث بالمدرسين الأكفاء والمؤلفين الواعيين أنشأ دار العلوم ؛ لتكون البديل الذي يستطيع مقاومة سيطرة الثقافة الغربية " ولتجمع بين القديم الصالح والجديد الحي " (1)، ولم يكتف ( على مبارك ) بهذا ، بل دعا إلى إنشاء دار الكتب المصرية 1871 ؛ لتجمع فيها الكتب المتناثـرة في الأضرحة والمساجد والمكتبات الخاصة ، وسيلة لإفادة أكبر عدد ممكن من المصريين ، ولقد لعبت ــ ولا زالت ــ دوراً هاماً فى نشر الثقافة ، وإنماء الوعي ، ولفت أنظار المثقفين إلى ما في التراث العربي من روائع يجب الاهتمام بها . كما حاول ( على مبارك) خلق شخصية مصرية ثائرة على كل من يخالف الحق قادرة على المواجهة . فكان يقرب المصريين من مجلسه إدراكاً منه بأنه إذا جرَّأ المصريين على مخاطبته بحرية ودون خوف سيجعلهم ذلك يخاطبون الموظفين في غير هيبة ، ويتعودون على المطالبة بحقوقهم .



وقد لعب فكر ( جمال الدين الأفغاني ) التحرري وآراؤه المتفتحة في هذه الفترة دوراً بارزاً في حركة الإصلاح . وتخرج في مدرسته ( محمود سامي البارودي ، وعبد السلام المويلحي، وعلى مظهر ، وسعد زغلول) ،ومريده النجيب محمد عبده ، الذي سار على نهج أستاذه،لكنه كان على خلاف معه في أسلوبه الإصلاحي.فقد اعترض على الثورة العرابية "ولا ندرى هل هو الاعتراض على شخص عرابي ، أو عدم الرضا عن تحرك الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها محمد عبده بأصوله وإن بارحها بثقافته ووظيفته" (2)

وقد اهتم ( محمد عبده) بالتعليم وقصر تجديده على التجديد الديني فقط ، رغبة في الملاءمة بين الدين ومطالب الحياة العصرية المعقدة ، وهو تقريباً نفس الخط الذي سار عليه أستاذه ( جمال الدين الأفغاني ) . وكان لـ ( لطفي السيد) و ( محمد حسين هيكل) مدرسة فكرية جديدة ، تختلف عن مدرسة الإمامين فكراً وأسلوباً . فقد دعوا إلى المصرية بخلاف الإمامين اللذين هدفا إلى تقوية الجماعة الإسلامية . كما رفضا لغة المقامات التي كانت سائدة ومسيطرة على الحياة الأدبية ، وطالبا بلغة سهلة ميسرة تستطيع نقل فكر الكاتب إلى قرائه دون عناء . ولم يكن هذا التفكير غريباً منهما ومن رفاقهما في تلك الحقبة ؛ لأنهما ورفاقهما " لم يكونوا من المتعلقين بالتراث ، ولا من المؤمنين بفكرة الجامعة الإسلامية التي تشد إليه ، وإنما كانوا من الموليين وجوههم شطر الغرب ، ومن المؤمنين بالحضارة الأوربية أشد الإيمان ، ومن هنا لم يشغلوا أنفسهم بتجويد الأسلوب تجويداً بيانياً كما فعل المنفلوطي ، كما لم يرهقوا أقلامهم بتحميلها أعباء البديع كما فعل البكري ، وإنما اهتموا




ــــــــتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ د. أحمد هيكل : موجز الأدب الحديث : مكتبة الشباب ، القاهرة ، 1991 ، ص 32

2ــ الواقعية في الرواية العربية : ص 96

أعظم الاهتمام بالجانب الفكري فمالوا إلى الموضوعية ، واصطناع المنطق ، وجنحوا إلى الوضوح والدقة والترسل الكامل " (1)

ومن أجل هذا التجديد الفكري ، أسس ( لطفي السيد ) صحيفة الجريدة 1907 وجعلها منبراً لدعاة التجديد ، ووسيلة لعرض أفكار حزب الأمة ، ومن بعده حزب الأحرار الدستوريين ، وعلى صفحاتها دارت معارك فكرية كثيرة حول الخلافة الإسلامية والتراث الشعري الجاهلي ، كانت سبباً في حركة عقلية جديدة زاد من أوارها في ذلك الوقت دعوة ( محمد حسين هيكل ) إلى المصرية ، ومطالبته بإنشاء كرسي للدراسات المصرية بالجامعة ، وضرورة الاهتمام بالأدباء المصريين ، فأضفى على الحركة العقلية صبغة إقليمية .


ولا شك في أن الحركة الفكرية هذه قد انتقلت بالعقلية المصرية إلى آفاق جديدة ، بعد سنوات من الجمود والانتكاس العقلي ، فمال المفكرون إلى المجتمع ، واختلفت نظرة الأدباء إلى المادة الأولية لأعمالهم فراحوا " إلى مجتمعهم الحاضر يشتقون منه رواياتهم وأقاصيصهم وشعرهم ومقالاتهم ، ويصوغون منه فنونهم الأدبية إن مجتمعاتنا مملؤة بالشرور الاجتماعية من عيشة أكثر الناس عيشة تافهة سخيفة .... فلاح بائس ، وصانع مسكين ، وزوجة تعسة ، وفقر ومرض ، واستعدادات ضائعة ، وكفايات لا تجد من يوجهها ، وأطفال لا تجد من يربيها ، وأغلبية لا تجد ضرورات العيش ..... ومئات ومئات من أمثال هذه المآسي تنتظر من الأدب أن يعالجها ويشرحها ويحللها ، ولا يقتصر على إجادة وصف ما هو كائن ، بل يرسم ما ينبغي أن يكون " (2) .


وكان للحرب العالمية الثانية التي كانت مصر مسرحاً ــ رغم أنفها ــ لبعض أحداثها وما نتج عنها من ويلات ومصائب عديدة أثار ظهرت جلية فى الأحوال الاقتصادية ، في وقت كانت الاشتراكية قد بدأت تعرف طريقها إلى مثقفي مصر ، ورأوا فيها الخلاص مما تعانيه مصر من أزمات ، وعملوا على نشرها فانعكس أثرها على الأدب والنقد ، وأصبح النقاد لا يقيسون الأدب إلا بمقايس اشتراكية ، وبمدى قربه أو بعده عن مشكلات المجتمع ، فمال الأدباء إلى هذا اللون من الكتابة الذي أخذ ينتشر ، وساعدت ثورة يوليو 1952 ، وإعلان القوانين الاشتراكية ، والأحداث المأسوية التي تعرضت لها مصر من معارك القناة ، والعدوان الثلاثي ، وما أعقباها من أزمات على ذلك .

*******




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ موجز الأدب الحديث : ص 134

2ــ أحمد أمين : فيض الخاطر ، مكتبه النهضة المصرية ، ج 6، ص 65 ،66 .





وقد اهتمت الحركة الإصلاحية الفكرية في وقت مبكر بتحرير المرأة اقتناعاً بدورها في المجتمع . وقد لعب(رفاعة الطهطاوى) دوراً بارزاً في ذلك بكتابيه" تخليص الإبريز " الذي عرض فيه صورة المرأة الأوربية وما تتمتع به من حريات واستقلال ، " والمرشد الأمين للبنات والبنين " الذي عرض فيه صراحة لتعليم المرأة المصرية ، وكان لذلك أثره في إنشاء أول مدرسة للبنات في مصر عام 1882 أنشأتها ( مجد يفت) زوج الخديوى ( إسماعيل )، فكانت بداية خروج المرأة للميدان.


ومع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظهرت دعوة ( ملك حفني ناصف) إلى تحرير المرأة من أغلال الجهل التي ظلت ترسـف فيها سنوات طويلة ، ودعوة ( قاسم أمين ) أحد مفكري حزب الأمة المتحرر, لتحرير المرأة ، وتخليصها من أغلال الجهل ، وإخراجها من عصر الإماء السرارى إلى عصر العلم ، والاعتراف بها كائناً مستقلاً له إرادته ومسئولياته الخاصة ، وشعوره الخاص . لكن هذه الدعوة لم تؤت ثمارها ــ رغم أن البيئة كانت مهيأة لها ــ ، إلا بعد وفاة ( قاسم أمين ) . وقد أثر هذا التحرر على الرواية الفنية ذات الطابع الواقعي التي واكبت بدايات الاعتراف بحقوق المرأة .



*******

ولم ينس زعماء حركة الإصلاح اللغة ، فثاروا على اللغة التي استخدمت في القرن التاسع عشر ، لغة الشيخ على درويش والشيخ حسن العطار المثقلة بالبهرجة اللفظية الزائفة ، والتي تذهب بالقارىء بعيداً عن فكرة العمل الأدبي والغرض منه . غير أن هذه الثورة ولدت ثلاث فرق متعارضة متعصبة

أولاها ـ فريق عباد اللغة ــ إن صح هذا التعبير ــ ،هؤلاء الذين تمسكوا بالبهرجة اللفظية والزخارف المصطنعة التي كانت سائدة في عصور الضعف،من أمثال ( توفيق البكري ) و(ناصف اليازجى) ، و(الرافعي) ،و(أحمد شوقي ) إلى حد ما .

وثانيها ــ هؤلاء الذين نادوا بالتخلص من اللغة الفصحى ، وحمل راية التيسير وقد حمل ( عبد الله نديم ) زعيم خطباء الثورة العرابية راية هذه الدعوة في محاولة لإيجاد لغة سهلة ، ذات تأثير سريع في الطبقات الشعبية ، وإن كانت هذه الدعوة قد انحرفت كثيراً على يد ( عبد العزيز فهمي) ، الذي دعا إلى استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية كما فعلت تركيا ، و ( سلامة موسى ) ، الذي دعا إلى لغة ديمقراطية رافضاً اللغة الفصحى ، التي هي من وجهة نظره ، لغة المترفين من الأمراء والوزراء والأثرياء ، لكنه لم يقدم للكتاب نموذجاً واحداً من هذه اللغة الديمقراطية كي يسيروا على نهجه !

وثالثهما ــ هؤلاء الذين نادوا بالبساطة في التعبير مع المحافظة على الجانب البياني وقد ساعدت الصحافة على انتشار هذه الدعوة ، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية في مصر التي كانت عاملاً هاماً من عوامل استمرار هذا الاتجاه . فقد كان الجهل يعوق أصحابه عن فهم اللغة الفصحى المتقعرة ، وكانت اللغة الجديدة الوسيلة الوحيدة لتوصيل الأفكار إليهم .


وقد ارتبطت الرواية الواقعية بظهور هذا الأسلوب في الكتابة . الأسلوب الذي نقل تجربة الأديب دون الاحتياج إلى معجم يفك رموزها ، أو مجهود من القارىء يضيع في فهم معاني مفردات التجربة قبل الوصول لفكرتها . ولو استخدمت الرواية والقصة اللغة المنغمة التي تعين على الإيهام بأن ما يقرأ مجافى للواقع لكانت " ستخرج من حظيرة الواقعية فهذا الاستعمال يفقدها أول مقومات الفن الواقعي " (1) .

*******

وكرد فعل طبيعي للثورة الفكرية العارمة ظهرت دعوة تجديدية في مجال الأدب تحمل بين جنباتها بواكير واقعية ، كان لها طيب الأثر في تقبل المذهب الواقعي مذهباً أدبياً له خصائصه ومميزاته فيما بعد . وقد بدأت هذه الدعوة في وقت مبكر مع أفول نجم القـرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر ، بمحاولة ربط المقامة بالواقع من خلال موقف نقدي .


بدأها الشيخ ( المهدي) المتوفى 1815 في مقامتيه " تحفة المستيقظ العانس في نزهة المستنيم والناعس " ، و" المارستان " ، وتلاه( السيد أحمد البربير) بمقاماته المعروفة " بمقامات البربير " و" في المفاخرة بين الماء والهواء" ، ومقامات ( العطار ) ، ومقامات الشيخ (ناصف اليازجى) المعروفة " بمجمع البحرين" ، ومقامات ( أحمد فارس الشدياق) المعروفة " بالساق على الساق فيما هو الفارياق"،ومقامات ( عبد الله فكرى ) المعروفة " بالمقامة الفكرية السنية فى المملكة الباطنية " ، ومقامات ( المويلحى ) " حديث عيسى بن هشام " ، ومقامات (على مبارك) " علم الدين " ، ومقامات ( حافظ إبراهيم ) " ليالى سطيح " ومقامات ( محمد لطفى جمعه) " ليالى الروح الحائر " ومقامات ( محمد فريد وجدي ) " الوجديات" ، ومقامات ( أحمد شوقي ) " شيطان بذتاؤور " .


وهذه الأعمال يمكن تقسيمها إلى قسمين :

الأول ــ يضم مقامات ( البربير ، والعطار والشدياق ، واليازجى ، وعبد الله فكرى ) ، التي تدور في فلك الحكايات المسلية التى تجذب الأذهان ، مع مزج التسلية بالإفادة ، وفيها ظهرت الروح التعليمية .

الثاني ــ يضم مقامات ( المويلحى ، وحافظ إبراهيم ، ومحمد لطفى جمعه ) تلك التي تعد تطوراً في شكل ومضمون هذا الفن . فقد تحولت إلى تصوير الأحوال والأخلاق في البيئة والعصر .






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ الواقعية فى الرواية العربية : ص 123



أما " الوجديات " ( لمحمد فريد وجدي ) ، و" شيطان بنتاؤور " ( لأحمد شوقي ) فلم تبلغا ــ رغم تأخرهما ــ من الإتقان ما بلغته مقامة " حديث عيسى بن هشام" للمويلحى ، فضاع الشكل القصصي الفني وسط الأحداث الخيالية . ويمكن ألحاقهما بمقامات القسم الأول من الناحية الفنية ، وليس من الناحية الزمنية .

ورغم ما بذله أصحاب المقامات من جهود ــ تشكر لهم ــ في محاولة تقليد الشكل الفني الوافد من الغرب ، إلا أن هذه المقامات بمرحلتيها ــ باستثناء " عيسى بن هشام " للمويلحى ــ لم تستطع الاقتراب من القصة الواقعية الفنية اقتراباً يجعلنا نطلق عليها البداية الحقيقية للقصة أو الرواية ، رغم اقتحامها للموضوعات الاجتماعية والإصلاحية ، وتركيزها على القالب الحكائى . وإن كان ذلك لا يقلل من أهميتها في تمهيد الطريق للقصة والرواية الواقعية التي سادت الحياة الأدبية في مصر بتعرضها لمشكلات المجتمع، والعقابيل التي كانت تعوق الإنسان ، والمشاكل التي كان يعانى منها .



*******

وكرد فعل للثورة الفكرية ــ أيضاً ــ ظهر من سلك مسلكاً آخر للتعبير عن الواقع بتقليد القصة الغربية عن طريق الكتابة على نهجها أو تمصيرها لتلائم الواقع المصري وتعتبر قصص ( عبد الله نديم ) المنشورة في التنكيت والتبكيت أولى هذه المحاولات " إلا أن بداية التمثيل الحقيقي للقصة الغربية كان في تلك القصص التي قدمها نسيب المشعلانى ، ولبيبة هاشم ، وموسى صديح ، وندره ألوف ومنصور فهمي ، وخليل مطران وفى قصص المنفلوطي الوجدانية ومقالاته القصصية " (1)


ولا شك في أن المحاولات الأولى للترجمة والتمصير قد سبقتها محاولات مهدت لها، وأعدت الذوق المصرى لاستقبالها . ويعد ( رفاعة الطهطاوى ) رائد هذا الدرب بترجمته " مغامرات تليماك " (لفنلون ) ، تحت عنوان " وقائع الأفلاك في مغامرات تليماك " ، ثم تلاه ( عثمان جلال ) الذي ترجم " بول وفرجينى " ( لبرنارد سان بير) ، و"خرافات لافونتين " ، تحت عنوان " الأماني المنة في حديث قبول وردجنه " ، و" العيون اليوافظ في الأمثال والحكم والمواعظ " .

ويلاحظ على الترجمات في هذه الحقبة أن صفة الواقعية كانت سبيلها للانتشار بين الجمهور ، ويؤكد ذلك ما ورد في مقدمة قصة " حسنات الحب " ( للبيبة هاشم ) " ليأذن لي القاريء أن أقص على مسامعه حادثة جرت حقيقة وقعت مساء يوم15يونيو1898"(2) ويقول ( نسيب المشعلاني) في مقدمة قصته " وقعة الخرطوم" " إنها حادثة واقعية قصها علينا من شهر من شهد بعض وقائعها وعرف باقيها بالخبر " (3) .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ الاتجاهات الواقعية : ص 46

2ــ مجلة الضياء السنه الأولى 1898 عن اتجاهات القصة القصيرة ، للدكتور السعيد الورقى

3ــ مجلة الضياء : المجلد الرابع 1901 ، 1902 عن اتجاهات القصة القصيرة .

ومع نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أخذت محاولات التمصير بعداً جديداً على يد ( المنفلوطي ) ، الذي عبر عن روح عصره المثقل بالهموم والمشاكل . وقد ظهرت هذه الهموم في كتاباته ، فبدت سوداء باكية تفوح منها رائحة حزن مخزون من عهد مظلم , ووسط هذا الجو المبشر بالواقعية على استحياء خرج على المجتمع المصري ( محمد لطفي جمعه) بأول تنبيه لمفهوم الواقعية في مقدمة روايته " وادي الهموم " الصادرة 1905 يقول : " منذ أربعة شهور جلست في غرفتي أمام منضدة الكتابة ، وأردت أن أكتب قصة ، فقلت ماذا أكتب ؟ إني لا أرغب أن أقص قصة غرام طاهرة، وحب نقى وقلوب طيبة ووعود وزواج ، فهذه الأشياء ليست موجودة إلا في خيال المؤلفين...

إن كان جمهور القراء يطلب قصة عن أميرة فتاة جميلة غنية تقع في ورطة فينجيها من الموت شاب جميل فقير شجاع فيتزوجها ، ولكن أنا لا أطلب ذلك .... آن الأوان لأن نترك الخيال جانباً .... و(يقول ):أنا أطلب أن أنزل بالقراء إلى ميدان الحياة الواسع ، أرغب أن أنزل بهم إلى ملعب الحياة الذي يمثلون فيه أدوارهم وهم لا يحسون ، أرغب أن أصور لهم صوراً يرون فيها معايبهم فيصلحونها، ولا أرغب أن أغشهم بتصوير الناس صورة جميلة ، ولكنها مخالفة للحقيقة " (1) .


ففي هذا الحديث نداء لم يسمع في الحقبة السابقة يدعو إلى استمداد العمل القصصي من الواقع المعاش ، والبعد عن الخيال الذي لا طائل منه ، ويدعو الأديب إلى أن " يتزيى بغير زيه ويتجول في الطرقات والأزقة ، ويدخل المجتمعات والمحطات ، ويرقب حركة الناس في ملاعب القمار والحانات والحدائق العمومية ، ويبقى طوال ليله هائماً في الطريق يدرس الأخلاق والطبائع والعادات ، وهو فيما بين تلك الأشياء يقيد ما يراه ويسمعه ويدرسه ، ثم يجلس يكتب قصته يسبك فيها كل ما رأه وسمعه " (2)

لكن مع ما في هذه الدعوة من جرأة ، ورفض القصص العربي خلف الحب والخيال والهيام، وتحقيق النصر في نهاية كل عمل لبطل فقير شجاع ، إلا أنها ــ ورغم أهميتها ــ تحمل فجاجة التجربة الأولى من ناحية ، وعدم فهم الواقعية بمعناها المذهبي من ناحية أخرى ، لذا لم تكوَّن هذه الدعوة في حقبتها المبكرة مذهباً أدبياً نستطيع القول بأنه سيطر على الحياة الأدبية في مصر . وصاحبها نفسه تخلى عن دعوته وعاد إلى الخيال الشعري في مقامته" ليالى الروح الحائر " الصادرة (1912) ، رغم أن الجو العام كان مهيئاً لقبول فكرته . لكن يحمد لها تعريف المجتمع المصري بالواقعية بمفهومها العام ، وتهيئة الأذهان لتقبل الواقعية المذهبية التي سيطرت على الأدب في فتره لاحقة .











ــــــــــ

1ــ محمد لطفي جمعه : وادي الهموم ، مطبعة النيل ، 1905 ص 3 ، 4

2ــ السابق : ص 5





إذا كانت الواقعية في الأعمال السابقة كانت حائرة ، لعدم فهم الأدباء للواقعية بمعناها المذهبي فلم يستطيعوا بأعمالهم سوى تمهيد الطريق لاستقبال الواقعية ، ورغم جهودهم العظيمة ، فإن الواقعية الحقة التي يمكن اعتبارها اقتراباً من الواقعية بمعناها المذهبي يمكن تلمسها في ثنايا الأعمال الرومانسية و التاريخية .


وليس غريباً أن يكون البحث عن الواقعية في ثنايا الأعمال الرومانسية " لأن الرومانسية هي المذهب الفني الذي ساد قبل الواقعية ، وحملها جنيناً ومهد لها طريق القبول عند الكاتب والقارىء " (1) ورغم التضاد الذي يعتقده البعض بين الواقعية والرومانسية فإن الواقعية ــ كما يقول ــ (فان تيجم) " أحد مواليد الرومانطيقية "(2) كما أننا لا نستطيع إنكار اهتمام الحركة الرومانسية بالفرد وبحثها عن حريته ، وإنقاذه من سيطرة قيود الأدب الكلاسيكي الذي أجبر الفرد على طرق خاصة في التعبير ، وقيده بقيود التقاليد الأدبية الراسخة . فتعبير الأديب الرومانسي عما تختلج به نفسه دون قيود مفروضة عليه ، صورة من صور الحرية التي حققتها الرومانسية للفرد ، وكانت هذه الحرية بداية لحريات أكبر منحتها الواقعية للفرد ، عندما اهتمت به كشريحة من شرائح المجتمع ، يؤثر فيه، ويتأثر به . فليس هناك تناقض حاد بين المذهبين ، إن لم يكن هناك ترابط شديد .


وتعتبر رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل ، التي اهتمت بإبراز قطاعات الحياة المصرية وأشملها وهو قطاع الريف ــ كما عرضت سابقاً ـ مثالاً للنماذج بين الواقعية الرومانسية فى بناء فني واحد ، فرؤية الكاتب رومانسية ومحور الرواية واقعي صرف.

حقيقة إن الرومانسية طغت على الرواية بداية من المحرك الأول لكتابتها وهو الحنين للوطن * ثم بشخصيات الرواية الحالمة الحائرة والرافضة للمجتمع . إلا أننا لا نعدم سمات واقعية مبكرة ، في الدقة المتناهية في الوصف ، وفى شخصيـات الرواية باستثناء ( حامد وزينب ) ، وفى لغة الرواية التي حددت الطريق أمام كتاب الواقعية فيما بعد . فقد استخدم المؤلف العامية للحوار كثيراً وفى السرد قليلاً " ويمكن تسويغ استخدام العامية فيه ، بدافع فني وهو الرغبة في تحقيق الواقعية " (3).










ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ السابق : ص 29

2ــ فان تيجم : الرومنطيقية : ت بهيج شعبان ، دار بيروت ، 1956 ، ص 103

* انظر ثورة الأدب لهيكل ص 233 وما بعدها

3ـ موجز الأدب الحديث : ص 155



ولا شك في أن إنطاق الشخصيات بلغتها خصوصاً وجلهم من الفلاحين ، يقرب العمل الأدبي من نفس القارىء ، ويعطى إيحاء بجو من الواقعية ، بصرف النظر عن إخلال ذلك بالمعمار الفني للعمل أو عدم إخلاله .

وكما احتوت الرواية الرومانسية على بدايات واقعية فإن الرواية التاريخية * التي ذاع صيتها في أواخر القرن الماضي ، وبدايات القرن الحالي كرد فعل للظروف السياسية التي كان يمر بها الوطن ، من صراع مع الاحتلال الأجنبي ، وصراع مع فساد الحكم الذي تمثل في قرننا هذا في ملك فاسد مولع بالملذات ، موال للاحتلال . إذا ما دققنا النظر فيها سنجدها مرتبطة بالواقع بشكل أو بآخر .



واللمحات الواقعية التي تتجلى في الرواية التاريخية يمكن تلخيصها في الإسقاطات التي كان يرمى إليها الكتاب من وراء هذه الأعمال . ( فنجيب محفوظ ) في روايته "رادوبيس" الصادرة 1943 ، والمستمدة من التاريخ الفرعوني ، وتحكى عن (مرنرع الثاني) الملك الشاب القوى المقبل على الحياة، لكنه منحرف عن طريق أسلافه في حكم البلاد ، بإكثاره مـن الضرائب على أرض المعابد ؛ لينفق على ملذاته الخاصة مع الغانية ( رادوبيس ) ــ لاشك ــ يهدف ( نجيب محفوظ ) إلى معنى آخر خفي خلف (مرنرع ورادوبيس) ، والقاريء الواعي بتاريخ هذه المرحلة ــ مرحلة العقد الثلاثيني والأربعيني من هذا القرن ــ يستطيع الربط بين حياة ( مرنرع الثاني) الملك المنحرف وحياة الأسرة الحاكمة في مصر في ذلك الوقت .


وقد سار على نفس الدرب ( عادل كامل) ، و( محمد عوض) ، و(محمد فريد أو حديد) بأعمال كثيرة،برز الواقع المصري فيها من خلال الجو التاريخي والشخصية التاريخية .



********

ـــــــــــــــــــ



* الرواية التاريخية التى أعنيها ليست كقصص الحكايات الشعبيه التى تقص حكاية بطولية عن شخصية قد تكون اسطورية ، مثل قصة عنتره ، أو الأميرة ذات الهمة ، أو الظاهر بيبرس ، لكنها القصة التي وضع دعائمها والترسكوت ، والكندرديماس الفرنسى ، وأدخلها فى الأدب العربي سليم البستانى ، وراد سيرتها جورجى زيدان ، ومحمد فريد أو حديد ، وعبد الحميد جودة السحار .

فكانت بداية لرواية واقعية متكاملة تعتنق الواقعية بمعناها المذهبي ، وتعبر عن مشكلات الواقع ، وتقدم لها الحلول كما يراها كاتبها . لذا كان من الصعب أن أهمل الحديث عن الرواية التاريخية في حديثي عن الواقعية

وأنا زعيم بأن الظروف السياسية التي مرت بها مصر مع بدايات هذا القرن لعبت دوراً بارزاً في ظهور الرواية التاريخية ، ولولاها لكانت الواقعية أسبق لزوال دواعي الرمز والإسقاط .

فجر الواقعية

إن الواقعية كمذهب أدبي نشأ استجابة حتمية للتغيرات الاجتماعية والفكرية التي نمت وترعرعت داخل الطبقة الوسطى التي كانت مجهزة فكرياً لتقبل مثل هذه التغيرات ، وكان أبناؤها من صغار العمال والفلاحين والطلاب يتطلعون إلى المساهمة في الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، وأمام هذه التغيرات كان ــ ولابد ــ للأدب من رؤية جديدة للتعبير، ومنظور أخر للمعالجة ؛ لمواكبة الأوضاع الجديدة التي استجدت على الساحة في وقت أصبحت الرومانسية فيه تعنى بالنسبة للكثيرين أدب الحب والهيام ، رغم ما تحمله هذه الرؤية من نقد .

ووسط هذه المتغيرات " اجتاز الروائي المصري مرحلة الانبهار بالذات وأحلامها الفردية، إلى مرحلة جديدة يدرك من خلالها الذات كحلقة في البنيان العام للوطن "(1)


وظهرت الواقعية المذهبية الأولى ، واختفت شعارات المصرية والعصرية التى كان يلح الكاتب على توصيلها للمتلقي ؛ لتأخذ أعمالهم صفة الشرعية ، واختفت تأثيرات المقامة والحكاية الشعبية ، فلم يعد تصوير النماذج الشعبية تصويراً فوتوغرافياً مغرياً للكتاب ، ولم تعد قضية مصر كوطن حر مستقل تلح على الكتاب إلحاحها إبان ثورة 1919 ، وأخذت القضايا الاجتماعية مكانها فى الروايات الواقعية الأولى فصورت معاناة الفرد وشقاءه داخل مجتمعه .


وتعد روايات " يوميات نائب في الأرياف ، وعصفور من الشرق ،( لتوفيق الحكيم )، و" شجرة البؤس " ( لطه حسين) و" قافلة الزمان والشارع الجديد " ( لصيد الحميد جوده السحار)،و"عاصفة فوق مصر" ( لعصام الدين حفني ناصف ) ، و" صرعى البؤس " (لأحمد محمد عيش ) ، و" مليم الأكبـر " (لعادل كامل ) ،و" الأرض " ( لعبد الرحمن الشرقاوي )، و" السقامات " (ليوسف السباعى) البدايات الأولى للواقعية في مجال الرواية .


ولم يكن ذلك وليد المصادفة فقد امتاز هذا الرعيل من الكتاب عن أصحاب الخطا الأولى في درب الواقعية بحصوله على قدر كبير من الثقافة المنظمة ، التي لم تكن متاحة لسابقه ، كما تميز بإفادته من تجارب السابقين التي أضاءت له الطريق ، وبطهوره في حقبة اختلفت كثيراً في قضاياها المطروحة عن تلك القضايا التي كانت مطروحة أمام سابقيه ، والتي أجبرته على معالجتها .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 919


خدمات المحتوى


بتول العنزي
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.